ربما لا تحب أن يشفق عليك الآخرون، لكنك لا تمانع من أن تشفق على ذاتك. الشفقة تعني الشعور بالأسى على النفس لكونك لم تنل حقك في مكانٍ ما، أو لتعرضك للظلم أو الإساءة بشكل أو بآخر، أو لكونك ضحية، ضحية الظروف السيئة والمرض والمكائد والتوقيت غير الملاءم، أو ربما تكون الشفقة من نوع "أضاعوني وأي فتى أضاعوا". قرأت لأحدهم: «الشفقة على الذات تظهر من إنسان منقسم إلى نصفين: نصف بائس، ونصف أشد بؤسًا.. الإنسان السليم ربما يكون بائسًا، لكنه لا يشعر بالشفقة على ذاته». بشار بن برد قال مرةً: طبعتُ على ما فيّ غير مخير هواي، ولو خيرتُ كنتُ المهذّبا أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أرد وقصّر علمي أن أنال المغيّبا ! وقد أبان في هذين البيتين عن الشفقة في صياغتها المثالية، فجمع بين الأسى على القدر السابق، والركون لجبر الطبع (تراخي الإرادة والفعل الحرّ)، والامتعاض من حوادث الوقت التي لا تجري وفق ما يشتهي، وأضاف إلى ذلك الأسى على الجهل بالغيب، وهذا الجهل من نواقص الإنسان التي يستحيل علاجها. يبدو أن هذه الشفقة تمثل إحدى الدفاعات النفسية التي قد يلتذّ بها الإنسان المتعب من مكابدة الحياة، ويوظفها لمواجهة إحباطاته المتكررة، فهي شكل من أشكال المواساة الذاتية، لاسيما في غياب المواسي، وهي بالتأكيد «إحدى أكثر الاستجابات غير المجدية في تجارب الحياة»، فهي تضخم أوهام الذات وخيالاتها عن أهميتها وإمكاناتها، وتكرّس سوداوية المظلومية المقعِدة. عندما سأل المذيع الأديب المعروف خورخي بورخيس: هل ترى أن "الشفقة على الذات" سمة العصر؟ أجاب بأنه لا يدري، إلا أن الشفقة منتشرة عند الأمريكيين… «إذا واصلت الشعور بالأسف على نفسك فستكون أكثر حزنًا» كما يقول محقًا، والمؤمن يكبح دوافع الشفقة على الذات بترويض القلب على الرضا بالمقادير، وتقوية الإرادة على فعل الصواب، ومجافاة التفكير بالأنا والانشغال بها وبشؤونها الباطنة وخواطرها الكثيرة عن العمل المجدي والحركة الصحية والتواصل الفاضل.
